الحطاب الرعيني
4
مواهب الجليل
قلت : وهذا الثاني يرجع إلى معنى الدعاء والله أعلم - ولتضمن الصلاة معنى التعطف عديت بعلى . وأما في الشرع فقال في المقدمات : هي واقعة على دعاء مخصوص في أوقات محدودة تقترن بها أفعال مشروعة . وقال بعضهم : هي أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم مع النية بشرائط مخصوصة . قال : ولا ترد صلاة الأخرس لأن الكلام في الغالب . وقال ابن عرفة : قيل تصورها عرفا ضروري ، وقيل : نظري لأن في قول الصقلي وغيره ورواية المازري : سجود التلاوة وصلاة نظر ، وعلى القول بأنه نظري فهي قربة فعلية ذات إحرام وتسليم أو سجود فقط فيدخل هو - يعني سجود التلاوة - وصلاة الجنازة انتهى . والذي جزم به صاحب الطراز أن سجود التلاوة ليس بصلاة وإنما هو شبيه بالصلاة كما أن الطواف شبيه بالصلاة وليس بصلاة ، وإن أطلق على ذلك صلاة فمن طريق المجاز لا الحقيقة . ثم قال : ألا ترى أن من حلف لأصلي في وقت مخصوص فسجد للتلاوة لا يحنث انتهى . وظاهر كلامه في المقدمات أنها صلاة لأنه عدها في الصلوات الفضائل . واعترض الآبي حد ابن عرفة بأنه غير مانع قال : لصدقه على من أحرم بالحج ، وسلم منه على الحج لأنه يشتمل على ركعتي الطواف . وأجاب بأن إحرام الحج غير إحرام الصلاة ، وبأن التعريف إنما هو بالخواص اللازمة والسلام في الصلاة لازم وليس بلازم في الحج ، وبأن الركعتين ليستا من حقيقة الحج لصحته بدونهما ولا يقال : إنهما لازمتان للحج الكامل لأن الحد للحقيقة من حيث هي هي لا للكاملة . واعلم أنه لا نزاع بين العلماء في أن إطلاق الصلاة والزكاة والصوم وغيرها من الألفاظ المشتركة في الشرع على معانيها الشرعية على سبيل الحقيقة الشرعية ، بمعنى أن حملة الشرع غلب استعمالهم لتلك الألفاظ في تلك المعاني حتى إن اللفظ لا يفهم منه عند الاطلاق إلا المعاني المذكورة ، وإنما اختلفوا في أن الشرع هل وضع هذه الألفاظ لهذه المعاني ، أو هي مستعملة فيها على سبيل المجاز ، أو هي مستعملة في معانيها اللغوية ؟ على ثلاثة أقوال : أحدها : أنها حقائق شرعية مبتكرة نقلها الشرع عن معانيها اللغوية إلى المعاني الشرعية من غير ملاحظة للمعنى اللغوي أصلا ، وإن صادف ذلك الوضع علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي فذلك أمر اتفاقي ، وهذا مذهب المعتزلة ، وقال به جماعة من الفقهاء . قاله في الذخيرة ، واستبعد لأنه يؤدي أن تكون العرب خوطبت بغير لغتها . والثاني : أنها مستعملة في المعاني المذكورة على سبيل المجاز اللغوي لمناسبة بين المعاني اللغوية والمعاني التي استعملت فيها ، وهو مذهب الامام فخر الدين والمازري وجماعة من الفقهاء . وقال ابن ناجي : هو مذهب المحققين من المتأخرين فهي مجازات لغوية حقائق شرعية . والثالث : أنه ليس في اللفظ نقل ولا مجاز بل الألفاظ المذكورة مستعملة في معانيها اللغوية ، لكن دلت الأدلة على أن تلك المسميات اللغوية لا بد معها من قيود زائدة حتى تصير شرعية ، وهو مذهب القاضي أبي بكر الباقلاني في سائر